عبد القادر الجيلاني

22

سر الأسرار ومظهر الأنوار فيما يحتاج إليه الأبرار

لا إله إلّا اللّه - بشرط أخذه من قلب تقيّ نقيّ ممّا سوى اللّه ، لا كلّ كلمة تسمع من أفواه العامّة ، وإن كان اللّفظ واحدا ولكن المعنى متفاوت ، لأنّ القلب إنّما يحيى إذا أخذ بذر التّوحيد من قلب حيّ ، فيكون بذرا كاملا ، والبذر غير البالغ لا ينبت ، ولذلك بذر كلمة التّوحيد في القرآن العظيم في موضعين . أحدهما : مقارن بالقول الظّاهريّ كما قال اللّه تعالى : . . . إِذا قِيلَ لَهُمْ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ . . . [ الصّافات : الآية 35 ] ، فهذا في حقّ العوام . والثّاني : مقرون بالعلم الحقيقيّ كما قال اللّه تعالى : فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ [ محمّد : الآية 19 ] . فهذا التّلقين بسبب نزول هذه الآية لأجل التّلقين للخواصّ كما قال في بستان الشّريعة : ( أوّل من تمنى أقرب الطّريق وأفضلها وأسهلها من النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم عليّ بن أبي طالب رضي اللّه عنه ) فانتظر النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم فنزل جبرائيل عليه السّلام على النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ولقّن هذه الكلمة ثلاث مرات ، ثمّ قال النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم كما قال جبرائيل ثمّ لقّن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم عليّا رضي اللّه عنه ، ثمّ جاء إلى أصحابه فلقّنهم جميعا ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر » « 1 » ، والمراد من الجهاد الأكبر جهاد النّفس كما قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « أعدى أعدائك نفسك الّتي بين جنبيك » « 2 » . فلا تحصل محبّة اللّه تعالى إلّا بعد قهر الأعداء في وجودك من النّفس الأمّارة واللّوامة والملهمة ، فتطهّر من الأخلاق الذّميمة البهيميّة ، كمحبّة زيادة الأكل والشّرب والنّوم ، واللّغو والسّبعيّة كالغضب والشّتم والضّرب والقهر ، والشّيطانيّة كالكبر والعجب والحسد والحقد وغير ذلك من الآفات البدنيّة والقلبيّة . وإذا تطهّرت منها فقد تطهّرت من أصل الذّنوب ، فأنت من المتطهّرين والتوّابين كما قال اللّه تعالى : إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ [ البقرة : الآية 222 ] . فمن تاب عن مجرّد ظاهر الذّنب لا يدخل في هذه الآية ، وإن كان تائبا ، لكن ليس بتوّاب . فإنّه لفظ المبالغة ، والمراد منه توبة الخواصّ .

--> ( 1 ) رواه البيهقي في الزهد الكبير ( 373 ) ، والخطيب في تاريخ بغداد ( 13 / 493 ) . ( 2 ) رواه البيهقي في الزهد الكبير ( 343 ) ، وأورده العجلوني في كشف الخفاء ( 1 / 160 ) .